محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
49
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه ، المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه ، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه . بنو آدم في أوّل نشأتهم ومبدأ خلقتهم وخروجهم من بطون أمهاتهم موسومون بالجهل وعدم العلم قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] ، ثم إن اللّه تعالى اختص بعضهم بخصوصية عنايته واختارهم من أهله لولايته ، وما ذاك إلّا لحصول العلم الذي تضمنه قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [ النحل : 78 ] الذي يحقق لهم النسبة ويوجب لهم الزلفى « 1 » والقربة المشار إلى ذلك بقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وجعلهم على قسمين : مرادين ومريدين ، وإن شئت قلت : مجذوبين وسالكين ، وكلاهما مراد ومجذوب على التحقيق ، قال اللّه تعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [ الشورى : 13 ] . فالمريدون السالكون إلى اللّه تعالى في حال سلوكهم محجوبون عن ربّهم برؤية الأغيار فالآثار والأكوان ظاهرة لهم وموجودة لديهم ، والحق تعالى غيب عنهم فلم يروه ، فهم يستدلون بها عليه في حال ترقّيهم ، والمرادون المجذوبون واجههم الحق تعالى بوجهه الكريم الأكرم ، وتعرّف إليهم فعرفوه به ، فلما عرفوه على هذا الوجه انحجبت الأغيار عنهم فلم يروها ، فهم يستدلون به عليها في حال تدلّيهم . فهذا هو حال الفريقين ، وشتان ما بينهما ، أي : بعد ما بينهما ؛ وذلك أن المستدل به على غيره عرف الحق الذي هو الوجود الواجب لأهله ، وهو المختص بوصف القدم ، وأثبت الأمر المشار به إلى الآثار العدمية من وجود أصله المشار به إلى المؤثر المتحقق وجوده والمستدل بغيره عليه ، على عكس ما ذكرناه ؛ لأنّه استدلّ بالمجهول على المعلوم ، وبالمعدوم على الموجود ، وبالأمر الخفيّ على الظاهر الجليّ ، وذلك لوجود الحجاب ، ووقوفه مع الأسباب ، وعدم احتظائه بالوصول والاقتراب ، وإلّا فمتى غاب حتى يستدل عليه بالأشياء الحاضرة ، ومتى ببعد حتى تكون الآثار القريبة هي التي توصّل إليه ، أو فقد ، حتى تكون الآثار الموجودة هي التي تدل عليه ، وأنشدوا : عجبت لمن يبغي عليك شهادة * وأنت الذي أشهدته كلّ مشهد قال في « لطائف المنن » « 2 » : « واعلم أن الأدلّة إنما تنصب لمن يطلب الحق لا لمن
--> ( 1 ) الزلفى : المنزلة والدرجة والقربة . ( 2 ) كتاب « لطائف المنن » في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن في مجلد ذكر فيه جملا من فضائل الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي ، ورتبه على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة المقدمة في تفضيل النبي صلى اللّه عليه وسلم على جميع بني آدم وذكر أقسام الولاية . -